ابن باجة
167
رسائل فلسفية لأبي بكر بن باجة
الموضوع ، وفاعله ، والغاية التي لأجلها وجد . فان الانسان بالطبع يتشوق إلى معرفة هذه الأسباب ويبحث عنها ويسأل حتى في الأمور المحسوسة عن الأسباب الجزئية . [ و ] مثال ذلك بيّن في كل مصنوع وفي كل طبيعي . « 52 » والانسان في الأمور المعقولة أشد تشوقا لمعرفة أسبابها لأنه نظر أعلى « 53 » وارفع وانفع ، فإنه بطلب الأسباب يصل الانسان إلى الايمان بالله « 54 » عز وجل وملائكته وكتبه ورسله وبالحياة الآخرة . والتفاضل في موهبة اللّه التي بها تبصر القوة الناطقة متفاوت بحسب ما يعطيه اللّه أيضا في أول خلقه الانسان من الاستعداد لقبول الموهبة التي بها تبصر القوة الناطقة « 55 » وهاتان الموهبتان ليستا بمكتسبتين ، وانما يكتسب ما بعدهما لمن وفقه اللّه تعالى إلى العمل بما يرضيه ، فهذا هو الكمال الانساني ، « 56 » ولا يوجد الا بما تأتي به الرسل عن اللّه عز وجل ، فمن اتبع هواه فلا يضل ولا يشقى . « 57 » فلسرد « 58 » الانسان نفسه بما حض عليه صلوات اللّه عليه ، وندب اليه ، وليجعل ذكره كله ونظره في مخلوقات اللّه عز وجل ودرجاتها في الكمال ، كمال الوجود ، فيرى ببصيرة قلبه ما هو كل واحد منها ، وعما هو ، إلى أن ينتهي بالضرورة إلى أن يعلم ببصيرة قلبه ان اللّه خالق جميعها ، وانه وحده لا شريك له ، وانه واجب الوجود بذاته ، وان كل ما سواه من الموجودات حادث ممكن الوجود من
--> ( 52 ) خصص ابن باجة رسالة تحدث فيها عن ماهية الشوق الطبيعي وفصل القول عن الأسباب الأربعة . وهي صحيحة النسبة اليه كما ذكرنا ذلك في القسم الأول . وهذا لا يعني شيئا فيما يتعلق بصحة نسبة هذه المقالة إلى ابن باجة . ( 53 ) في الأصل : « أعلا » ( 54 ) في الأصل : « ايمان اللّه » . ( 55 ) سيفرد كاتب هذه الرسائل رسالة لهذا الموضوع وسيردّد نفس الأمر في رسائل أخرى . ( 56 ) انظر مفهوم الكمال الانساني عنده وابتعاده عن مفهوم الكمال عند أرسطو والمشائين بعده ، وعند ابن باجة نفسه كما أوضحه في كتاب النفس . ( 57 ) لنسجل هذه النقلة من مستوى سيكولوجي إلى مستوى وعظي عامي . ( 58 ) كذا في الأصل وهي كما ترى تحتمل أكثر من قراءة واحدة .